علي الهجويري
59
كشف المحجوب
ويقول أبو محمد المرتعش : « الصوفي لا تسبق همته خطوته » بنغتى أنه دائما في حضور ، إذ توجد نفسه أينما وجد جسمه ، ويوجد جسمه أينما وجدت نفسه ، وهذه علامة الحضور دون الغيبة ؛ ويقول الآخرون عكس ذلك : أنه يغيب عن نفسه ويحضر مع اللّه . وليس الأمر كذلك بل هو حاضر مع نفسه حاضر مع اللّه ، والمعنى يشير إلى جمع الجمع ، إذ لا يمكن أن يكون هناك غيبة عن النفس ما دام الانسان ينظر إلى نفسه ، وعندما يتوقف نظر الانسان إلى نفسه يكون هناك حضور مع اللّه دون غيبة . وهذا المعنى قريب مما قاله الشبلي : « الصوفي لا يرى في الدارين مع اللّه غير اللّه » وباختصار فان بقاء البشرية غير ، وحينما لا يرى الانسان الغير لا يرى نفسه ، ويصبح خاليا من النفس في حال نفيه وإثباته . يقول الجنيد : « التصوف مبنى على ثماني خصال : السخاء والرضا والصبر والإشارة والغربة ولبس الصوف والسياحة والفقر » . أما السخاء فلإبراهيم ، وأما الرضا فلإسماعيل ، وأما الصبر فلأيوب ، وأما الإشارة فلزكريا ، وأما الغربة فليحيى ، وأما لبس الصوف فلموسى ، وأما السياحة فلعيسى ، وأما الفقر فلمحمد صلى اللّه عليه وعليهم وسلم . ويعنى أن الصوفية تقوم على ثماني صفات ، تتمثل في ثمانية رسل : « كرم إبراهيم الذي ضحى بابنه الذي تحمل صابرا عذاب الحشرات ، وامتحان الرؤوف الرحيم ، وإشارة زكريا الذي قال له اللّه تعالى : آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً « 1 » وقال أيضا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا « 2 » ، وغربة يحيى الذي كان غريبا في بلده وعن قومه ، وسياحة عيسى الذي أبت نفسه الأغراض الدنيوية حتى أنه لم يحتفظ لنفسه الا بكوب
--> ( 1 ) سورة آل عمران : آية 41 . ( 2 ) سورة مريم : آية 2 ، 3 .